محمد عبد الله دراز

295

دستور الأخلاق في القرآن

أمّا فيما يتعلق بالتعارض المنهجي الّذي جعلوه بين العمل الّذي يتم « بحسن نيّة » ، والآخر الّذي يتم « بغير قصد » ، فهذا التّعارض صحيح إذا كان يراد بكلمة غير المقصود ما لا تتجه إليه الإرادة مطلقا ، كليّا ، أو جزئيا . ولكن التّعارض لن يكون ذا موضوع إذا كان المراد القول - على العكس - بأنّ ( الخطأ ) هو ما ليس مقصودا أخلاقيا على وجه الكمال ، ذلك أنّ العمل الّذي يتم بحسن نيّة حينئذ لن يكون سوى حالة خاصة من العمل غير المقصود ( الخطأ ) بعامة . وهذه الخاصة الّتي لا تنشئ سوى فرق في الدّرجة بينه وبين العمل اللاإرادي ، المحض - ما كان لها أن تعدل شيئا من صفته البريئة ، ومن ثمّ - غير المسئولة . وإذن ، فإذا أردنا أن نصوغ الشّرط الثّالث للمسئولية الأخلاقية قلنا : إنّ العمل المنوط بالمسئولية هو العمل الّذي يكون القصد إليه كاملا ، أعني : أنّه العمل الّذي تهدف فيه الإرادة ، لا إلى الصّفات الطّبيعية لموضوعه فحسب ، وإنّما كذلك إلى صفاته الأخلاقية على نحو ما أدركها المشرع . ويجب أن يكون العمل متصورا لدى فاعله على النّحو الّذي أجيز به ، أو حرّم ، أو أمر به ، ومن حيث هو كذلك . وأي اختلاف في الرّأي ، أو انحراف في القصد ، في صفة أو أخرى ، يخرج العمل من دائرة الملاحقة بنصّ الشّرع ، لأنّه إذا كان العمل الّذي تقرر حكمه في الشّرع غير العمل الّذي وقع - لم يكن لهذا الّذي وقع أن يكون له إذن نفس الحكم ، فهو في افتراضنا حدث حتمه خطأ لا إداري . وعليه ، فحين نؤكد أنّ خطأ من هذا القبيل لا يمكن أن يكون محسوبا فلسنا نفعل سوى تفسير القول العام الّذي جاء به القرآن نفسه ، حين يعلن : وَلَيْسَ